الديوان : قصائد وشعر نزار قباني . الشاعر/الكاتب : نزار قباني

(61)

قُضيَ الأمرُ.. وأصبحتِ حبيبتي

قُضيَ الأمر..

ودخلتِ في طيّات لحمي.. كالظفر الطويلْ..

كالزِرِّ في العُرْوَة..

كالحَلَق في أُذُن امرأةٍ إسبانية..

*

لن تستطيعي بعد اليوم..

أن تحتجّي..

بأنّي مَلِكٌ غيرُ ديمُقراطي

فأنا في شؤون الحُبِّ.. أصنعُ دساتيري

وأحكم وحدي.

هل تستشير الورقةُ الشجرةَ قبل أن تطلع؟

هل يستشير الجنينُ أمَّه قبل أن ينزل؟

هل يستشير النهدُ الغلالة..

قبل أن يتكوَّر؟

*

كوني إذَنْ حبيبتي

واسكتي..

ولا تناقشيني في شرعيّة حبّي لكِ

لأن حبّي لكِ شريعةٌ

أنا أكتُبها..

وأنا أنفّذها..

أما أنتِ..

فمهمّتك أن تنامي كزهرة مارغريت

بين ذراعيّ

وتتركيني أحكمُ..

مهمّتك يا حبيبتي

أنْ تظلي حبيبتي..

(62)

أنتِ امرأةٌ مستريحة..

مستريحةٌ ككلّ المقاعد التي لا طموح لها..

وككلّ الجرائد المتروكة في الحدائق العامة.

الحبّ لديك.. حصانٌ

لا يتقدّم.. ولا يتقهقر

ساعي بريد .. يجيء أو لا يجيء

أيّامك كلُها..

مرسومةٌ في خطوط فناجين القهوة..

ووَرَق اللعِبْ..

ووَدَع المنجّماتْ..

مستريحةٌ أنتِ.. كأرجُلِ الطاولة..

نهدُكِ الأيمنُ، لا يعرف شيئاً ، عن نهدك الأيسرْ

وشفتُك العليا..

لا تدري، بشفتك السفلى..

*

أردتُ أن أنقل الثورة..

إلى مرتفعات نهديك.. ففشلتْ.

أردتُ أن أعلّمكِ الغضبَ، والكفرَ ، والحرّية

ففشلتْ..

الغضبُ لا يعرفه إلا الغاضبون

والكفرُ لا يعرفه إلا الكافرون..

والحرية سيفٌ..

لا يقطع إلا في يد الأحرار

أما أنتِ..

فمستريحةٌ إلى درجة الفجيعة

تراهنينَ على الخيول الراكضة

ولا تمتطينها..

وتلعبين بالرجال..

ولا تحترمين قواعدَ اللُّعْبَة..

أنتِ لا تعرفينَ قشعريرةَ المغامرة

والصدام مع المجهول ، واللامنتظَرْ

أنتِ تنتظرينَ المنتظَرْ..

كما ينتظر الكتابُ من يقرؤه..

والمقعدُ من يجلس عليه..

والإصبعُ خاتمَ الخطبة..

تنتظرين رجلاً..

يُقشِّر لكِ اللوزَ والفستق

ويسقيكِ لبَنَ العصافيرْ

ويعطيكِ مفاتيحَ مدينةٍ

لم تحاربي من أجلها..

ولا تستحقّين شرفَ الدخول إليها..

(63)

يخطُرُ لي أحياناً..

أن أجلدكِ في إحدى الساحات العامة..

حتى تنشر الجرائد..

صورتي وصورتك في صفحاتها الأولى

وحتى يعرفَ الذين لا يعرفونْ..

أنّكِ حبيبتي.

*

لقد ضجرتُ .. من ممارسة الحبّ خلف الكواليس

ومن تمثيل دور العشَّاق الكلاسيكيين..

أريد أن أعتلي خشبةَ المسرحْ..

وأمزّق السيناريو..

وأعلن أمام الجمهور..

أنني عاشق على مستوى العصرْ

وأنكِ حبيبتي

رغمَ أنفِ العصرْ..

*

أريدُ..

أن تعترف الصحافةُ بي

كواحدٍ .. من أكبر فوضوييّ التاريخ

فهذه هي فرصتي الوحيدة..

لأظهرَ معكِ في صورةٍ واحدة

وليعرفَ الذين يقرأون صفحةَ الجرائم العاطفية

أنّك حبيبتي..

(64)

لا أستطيع أن أخرج من حدود بشريتي

وأعاملكِ على طريقة المجاذيب..

والأولياءْ..

إنني أهين أنوثتَكِ

إذا استبقيتُكِ عندي

كزهرةٍ من الورق..

*

ماذا تقول أنوثتك عني؟

إذا عاملتكِ..

كحقل لا يرغب أحدٌ في امتلاكه..

أو كأرضٍ محايدة..

لا يدخلها المحاربون..

ماذا يقول نهداكِ عني؟

إذا تركتهما يثرثران خلف ظهري..

ونمتْ..

ماذا تقول شفتاكِ عني..

إذا تركتُهما تأكلان بعضهما..

وذهبتْ..

*

ليس بوسعي

أن أنظرَ إليكِ

كما تنظر الأبقار الكسلى..

إلى خطوط سكّة الحديدْ..

ليس بوسعي أن أظلّ واقفاً

تحت جُنون مطرك الاستوائيّ..

بلا مظلّة..

(65)

عندما تكونينَ برفقتي

أحبُّ أن أتجاوز جميعَ إشارات المرور الحمراءْ

أُحسُّ بشهوة طفولية

لارتكاب ملايين المخالفات..

وملايين الحماقات..

*

عندما تكون يدُكِ مطمورةً في يدي

أُحبُّ أن أكسر جميعَ ألواح الزجاج

التي ركّبوها حول الحُبّ..

وجميعَ البلاغات الرسمية

التي أصدرتها الحكومة

لمصادرة الحُبّ..

وأشعرُ، بنشوةٍ لا حدود لها

حين تصطدم نثاراتُ الزجاج المكسور..

بعجلات سيّارتي..

(66)

أنتِ لا تستحقّين البحرَ أيتها البيروتيّة..

ولا تستحقّين بيروتْْ

فمنذ عرفتك..

وأنتِ تقتربين من البحر..

كراهبة خائفة من الخطيئة..

تريدُ ماءً بلا بَلَل

وبحراً بلا غَرَق..

وعبثاً .. حاولتُ أن أقنعك

أن تخلعي نظَّارتكِ السوداءْ..

وجواربَكِ السميكة

وساعةَ يدِك..

وتنزلقي في الماء كسمكة جميلة..

ولكنّني فشلت.

وعبثاً حاولتُ أن أشرح لكِ

أن الدُوَارَ جزءٌ من البحر

وأن العشقَ فيه شيء من الموت

وأن الحُبَّ والبحر..

لا يقبلان أنصافَ الحلولْ..

ولكنني يئستُ من تحويلك إلى سمكة مغامرة..

فقد كانت كلُّ شروشك بريّة

وكلُّ أفكارك بريّة..

لذلك أبكي عليكِ يا صديقتي

وتبكي معي بيروت..

(67)

كان عندي قبلّكِ .. قبيلةٌ من النساءْ

أنتقي منها ما أريدْ..

وأعتق ما أريدْ..

كانت خيمتي..

بستاناً من الكُحْل والأساورْ

وضميري مقبرةً للأثداء المطعونة

كنتُ أتصرّف بنذالة ثريّ شرقي..

وأمارسُ الحبَّ..

بعقلية رئيس عصابة..

وحين ضربني حبُّكِ.. على غير انتظارْ

شبَّت النيرانُ في خيمتي

وسقطتْ جميعُ أظافري

وأطلقتُ سراحَ محظيّاتي

واكتشفتُ وجهَ الله..

(68)

مرّتْ شهورٌ..

وأنا لا أعرف رقم هاتفكْْ

أنتِ تفرضين حصاراً..

حتى على رقم هاتفكْ..

تمنعين الكلامَ أن يتكلّمْ..

ترفضين صداقةَ صوتي..

وزيارةَ كلماتي لكِ..

*

إذا كنتُ لا أستطيع أن أزورَكِ

فاسمحي لصوتي..

أن يدخلَ غرفةَ جلوسك

وينامَ على السجّادة الفارسيّة..

أنا ممنوع..

من دخول مملكتك الصغيرة..

فلا أعرف في أيِّ ركن تجلسينْ

وأيَّ المجلات تقرأينْ..

لا أعرف لونَ غطاء سريرك..

ولا لونَ ستائرك..

لا أعرف شيئاً عن عالمك الخرافيّّ

ولكنَّني أخترعه..

أضع الأبيضَ .. على الأحمرْ

والأزرقَ .. على الأصفرْ

حتى أصبحَ عندي ثروةٌ من اللوحاتْ

لا يمتلك مثلَها متحفُ اللوفر..

ولكنْْ..

إلى متى أظلّ أخترعك

كما يخترع الصوفيُّ ربَّهْ..

إلى متى؟

أظلُّ أصنعكِ من خلاصة الأزهارْ

كما يفعل بائع العطور..

إلى متى أظلّ أجمعكِ..

قطعةً .. قطعة

من حقول التوليب في هولندا..

وكروم العنب في فرنسا

وهفيفِ المراوح في إسبانيا..

(69)

حين رقصتِ معي..

في تلك الليلة..

حدث شيء غريبْ.

شعرتُ .. أن نجمةً متوهّجة

تركت غرفتها في السماء

والتجأت إلى صدري..

شعرتُ ، كما لو أنّ غابةً كاملة

تنبتُ تحت ثيابي..

شعرتُ..

كما لو أن طفلةً في عامها الثالث

تقرأ .. وتكتب فُروضَها المدرسيّه

على قماش قميصي..

*

ليس من عادتي أن أرقص..

ولكنني .. في تلك الليلة

لم أكن أرقص فحسب..

ولكنني ..

كنتُ الرقصْ..

(70)

عاد المطرُ ، يا حبيبةَ المطرْ..

كالمجنون أخرج إلى الشرفة لأستقبلَهْ

وكالمجنون ، أتركه يبلّل وجهي..

وثيابي..

ويحوّلني إلى إسفنجة بحريّة..

*

المطر..

يعني عودةَ الضباب ، والقراميد المبلّلة

والمواعيد المبلّلة..

يعني عودتَكِ .. وعودةَ الشعر.

أيلول .. يعني عودة يديْنا إلى الالتصاقْ

فطوال أشهر الصيف..

كانت يدُكِ مسافرة..

أيلول..

يعني عودةَ فمك، وشَعْرك

ومعاطفك، وقفّازاتك

وعطركِ الهنديّ الذي يخترقني كالسيفْ.

*

المطر.. يتساقط كأغنية متوحّشة

ومَطَركِ..

يتساقط في داخلي

كقرع الطبول الإفريقية

يتساقط ..

كسهام الهنود الحُمْرْ..

حبّي لكِ على صوت المطرْ..

يأخذ شكلاً آخر..

يصير سنجاباً..

يصير مهراً عربياً..

يصير بَجَعةً تسبح في ضوء القمرْ..

كلما اشتدَّ صوتُ المطرْ..

وصارت السماء ستارةً من القطيفة الرمادية..

أخرجُ كخَرُوفٍ إلى المراعي

أبحث عن الحشائش الطازجة

وعن رائحتك..

التي هاجرتْ مع الصيف..