الكاتب : لبنى بوستي أضيف بتاريخ : 22-12-2015

موسيقى بيانو تملأ الصالة. بساط أحمر فاقع اللون يؤثث الممـر الذي ينتهــي برزمة لـوحات تشكيلية وفوتوغرافية معروضة ،إلــى جانب منحوتات و قطع فنية أخرى.

دلفت عبر البساط باستسلام، تعتري وجنتاها

حمــرة أمنا الطبيعة.تشدك إليها رزانة

الأربعين و شباب الثلاثين، الممزوجان

بربيع الطفولة و هي تجر ذيل فستانها

الخمــري.كــان قد أهداها إيـاه ذات ربيع.

تمشــي عــلى مضض، تتبع البساط لتقف بين

الفينة و الأخــرى أمــام إحــدى صديقاتها المعلقة. تتأمل تفاصيلها، تحلل خطوطها ،فتلملم انكساراتها بنظــرة إعجاب و تلقــي لكل منهن ابتسامة تقديــر، و كأنمــا تخوضان معا حوارا نسائيا بامتياز.

مكبرات الصوت تملأ الجو صخبــا هادئا

تتوّجه معزوفة زوربا اليوناني. من حولــها وجوه تستغرب وجودها بينهم، فوحدهــا تدرك سبب اقتفائها أثر الرسم و النحت و الموسيقى.

الفــن في قاموس لغتــها يحكي قصة حياة لم تعشها إلا في ظلال الليل ، كمن يؤدي طقوس تعبد للآلهة هو وحده يدري بــوجودها.

 

..

 

وصل إلى مسامعها تردد أصوات التصفيقات.مشت عبر صالة العرض التي توسطتها منصة صغيرة،حيث أقيم على أحد جانبيها منحوتة طينية يبدو من إجلال المنظمين لها أن ورائها قصة مــا.

بكلمات منمقة و بيتي شعر ،ابتدأ منسق

المعرض مقدمته ، ثم قال :

..;...يسعدنــا تقديم أكثر القطع الفنية غموضا..فمبدعها توفي منذ أكثر من اثنتي و عشرين سنة،وصاحبة المنحوتة لازالت مجهولة ..إلا أننا نرجح أن هذه القطعة هـي من إبداع أحـــد منــاضلي الحركة الوطنية آنذاك، إذ وجدت في منزله قبيل اعتقاله... بابتسامة خبيثة، أردفت إحدى الفنانات الحاضرات:

..;..يقال أنه صنعها خصيصا لمحبوبته ،

كهديــة زواج .... أضاف المنسق،

بإيجاز..;..ربما صحيح.

وبالمناسبة، حسب خبرائنا هذه القطعة هي فقط نسخة مقلدة..أما الأصل فما زال مجهولا .. وقفت كجثة هامدة دون حراك، فاغرة فاهً، دَهِشة، كيف أمكن ذلك! .. ملامح تحفتها معروضة أمام الملأ!!

فجأة، استفاقت من هلعها، ثم خرجــت تسابق

تيار الشوارع بخصلات مصففة و كعب عالي، و

استقــلت سيارة أجرة في اتجاهها نحو تأدية آخــر طقوس يــومها الطويــل جدا بمقياس الذكريات.

 

..

 

بـتحــية مقتضبة، دخلت منزل أخيها حيث

تقيم. عبــرت البهو حيث تستقر ابنة أخيــها الكبرى على أريكة جلدية مع كوب قهوة . شابة عشرينية تشبه عمتها في حبــها للفن و الجمال و الفلسفة.

بخطى متثاقلة ولجت غرفتــها تطلب التحرر من مظهرها المتأنق لتعود سيدة شرقية فــي منامتها القطنية. بعد بـــرهة ظهرت من باب غرفتها ثم ولجت البهو. ها هما تجلسان سويــا كصديقتين تؤديان طقوس احتساء القهوة..ورائحة فنجانها شجنٌ مخلوط المذاق ما بين حرارة الاشتياق و مرارة الوحـــدة.

تسألها ابنة أخيها، ..;لماذا لم تتزوجي بعد، عمتـــي؟..; بابتسامة و نظرة مضطربة، أجابت:..;فقط لــم يجد النصيب طريقه إليّ بعد، عزيزتي..; كثيرا ما توالت تلك الأسئلة الموجعــة، لتفتــح بــاب مــاضيــها الذي كثيرا ما دارت تفاصيله عن غيرها.

أخفت انزعاجها للسؤال ،تأبطت إحــدى

روايات ..;غادة السمان..; و همت بالهروب نحو غرفتها ،مكمن ذكرياتها الطينية .

جلست بتؤدة إلى مكتبها ، يقابله تمثال نصفي ، ذو ملامح طفولية، تدلت منه ضفيرة إلى يمين الوجه الباسم و الذي ينتهــي ببطاقة من البرونز قد تآكلها الزمن، خُطّ عليها

اسمــان: ..;رقص الأنامل ..; لــطـه غريـب.

..

من أسرارها الصغيرة جـدا جدا، أنــها تكتب روايات باسمه. تجتر ذكراه ،و تسعد بحروف هو قارئها الأوحد. فهــو جمهور قرائــها و ناقــد أعمالها الغائب.

أخرجت من أحد الأدراج كتيبا صغيرا، يبدو

أنه يعرفهــا جيــدا. ثم دونت تتمة لخاطرة غير معنونة:

 

..;..كثيرا ما كنت أرقبك عن كثب ، حركاتك و سكناتك ..آثار أناملك عــلى كرات الطين ..تلك التــي أغــار منها عليك ..لا أستسيغها بتاتا إذ كانت تحظــى بك، تسمع أنفاسك، تستمتع بقطرات عرقك وإن بللتها، حتــى عطرك النخبوي كانت أولى ضحاياه .

من بعدك بت استغربني، ومــا الوجــود

دونــك ســوى قطعة من سكــر تنصــهر خــلال فنجان وحدتي.

فمساحتك فيّ بحجــم كونين و مجرّة.

علمتني أن أكون أنــا ولا أحد سواي، لكني

أردتها ..;أنا..; لا تشبه سوى أناك.. علمتني أن أسمو ضد الجراح لكنك كنـت أولها و أشــدها. كــم واسيت نفســي بــك منــك.. توقفت لبرهة ،لتكفف عبرة مرت على خدّها ،وتكمل بقلم يهتزّ هو الآخر لوجعها:

..;.. كلما تحسست تحفتك تلك ..يخالجني إحساس العظمة لشموخها..و تحاصرني مئــات القطرات من أسيد الدموع ، ثم استسلم لشعور الحسرة الذي يتآكلني .. أني تلقيت رقص أناملك كمن يتلقى فقيــدا عزيزا في كفن أبيــض.

كفنك ،كان بلون الأرض ، برائحة التراب ,,و روحك و رائحة فكــرك تحتل تفاصيله الصغيرة ..كــأني بك تضع آخــر لمسات أناملك عليه..و أنا متربـعة على عرش الأريــكة، و قـد ملئت المكان صفيرا و دندنات ..أتسمــع ؟ إنــها سيدتنا فيـروز تنشد:(أعطنــي الناي و غني ..فالغناء سر الوجود ,,..لازالت أتمتم حروفا لدرويــش و نزار، علّــها تستطيــع وصالك..أتذكرهــما؟كيــف لا و هما صديقا روحك الثورية و عنفوانك الرجولي !

أتذكــر؟ موسيقانا المفضلة حتى هي تغيرت

لفراقك,,,اسمع ها هي طبقات السولفيج تنوحك ،تبكيك و تفتقد إلى دندنات صوتك الجهوري .

و ماذا لو أخبرتك يومها؟ أن قلبــي

بغيــابك يمــرض..و يضعف نبــضه، هــل كنت ستعدنــي بأن لا تغيــب.. !..; ..;...مازال في قلبــي المزيــد..أنا التي ما تعلمت لغة الرجــاء يوما ،أرجوك..عــد إلي ..

إلــى كراتك الطينية، إلى طاولة مكتبك، ثم إلــى زجاجة العطر. فقــط عــد دونــما شروط ..

و تبقى أنت وجعي الأكبر..هنـــا ،مكدسا

بداخلي ..

..

...وغطــت وجه التحفة غير المكتمــل بشالها الأسود الحريري، كمن يلف أحــلامه الصغيــرة ..جدا فــي كــفن النسيــان وأطفــأت المصبــاح. وبصوتها الذابل همست في سرّهــا:..; اللهم ارحم ميتا.. مازال في قلبي حيا..;...;

شارك الخبر عبر مواقع التواصل

التعليقات