لا بد أن أستأذن الوطن : نزار قباني 

الديوان : قصائد وشعر نزار قباني . الشاعر/الكاتب : نزار قباني

1

من قبل أن أكتب عن عينيك .. يا حبيبتى

لابد أن أستأذن الشجر

من قبل أن أكتب عن وجهك يا أميرتى

لابد أن أستأذن القمر

من قبل أن أكتب عن بحرى ، وعن عواصفى

لابد أن أستأذن المطر

من قبل أن أدور فى فضاء النهد .. يا سيدتى

لابد لى ..

لابد لى ..

لابد أن أستأذن الوطن

2

في هذه الأيام يا صديقتي..

تخرج من جيوبنا فراشة صيفية تدعى الوطن.

تخرج من شفاهنا عريشة شامية تدعى الوطن.

تخرج من قمصاننا

مآذن… بلابل ..جداول ..قرنفل..سفرجل.

عصفورة مائية تدعى الوطن.

أريد أن أراك يا سيدتي..

لكنني أخاف أن أجرح إحساس الوطن..

أريد أن أهتف كل ليلة إليك يا سيدتي

لكنني أخاف أن تسمعني نوافذ الوطن.

أريد أن أمارس الحب على طريقتي

لكنني أخجل من حماقتي

أمام أحزان الوطن.

3

هل فى مرايا لندن مساحة ؟

أبصر فيها وجهى المكسور

وهل بعينيك مكان آمن ؟

أنام فيه ليلتى .

أنا الذى أحمل تحت معطفى العصور ..

ضيقة .. فنادق الحزن التى أدخلها

ضيقة .. معاطف الحب التى ألبسها

ضيقة .. كل الكتابات التى أكتبها

تغيرت خرائط الشعر ، كما نعرفها

فأعدمت قصائد جميلة

وتوجت قصائد من الخشب ..

4

تغيرت خرائط النساء فى دفاترى

تغيرت ملامح الجبال ، والوديان ، والحنطة ، والعنب

تغيرت مناجم الفضة والذهب

فلا هناك عبلة

ولا هناك خولة

ولا هناك زينب

ولا هناك قهوة ولا رطب

تغيرت قرطبة . تغيرت غرناطة

فلا نساء الشام يبتسمن لى

ولا جميلات حلب

إذا تغزلت بحُسن امرأة

تِأكلنى الأسماك فى بحر العرب

5

هذا زمان النثر يا حبيبتى

فما به شعر . ولا حب . ولا غيم . ولا أمطار .

فكيف يا حبيبتى ؟

أكتب أشواقى على دفاتر الغبار

أريد أن أراك يا حبيبتى

لعلنى أسرق من عينيك بعض النار

أود أن أقرأ فى يديك ما تخبئ الأقدار

أربد أن أزرع فى أحشائك

الأطفال .. والحمام .. والأشجار ..

أريد أن أضيع فى بحرك حتى آخر الإبحار

أريد آلافاً من الأشياء ،

لكن .. فاتنى القطار ..

6

هل فى مقاهى لندن ؟

طاولة مفردة

وقهوة جيدة

تغسل عن قلبى التعب

أين ترى أهرب من ذاكرتى ؟

إذا طلبتُ وجبة الإفطار يا سيدتى

يأكلها أبو لهب …

إذا دخلتُ صالة الحمام ،

يستقبلنى أبو لهب …

إذا تكلمتُ على الهاتف من مدينة

يدخل على الخط معى ، أبو لهب …

إذا دعوتُ امرأة جميلة

إلى العشاء ليلة ..

يجلس فى أحضانها أبو لهب …

هل فى مقاهى لندن زاوية صغيرة ؟

خالية من العرب …

أبحث فى الصباح عن جريدة

صينية .. كورية .. هندية

أرتاح فيها من فصاحات العرب ..

وعنتريات العرب !!

أمشط التاريخ يا سيدتى

عبارة عبارة

وصفحة فصفحة

ونقطة فنقطة

فلا أرى إلا خياماً أكلت خياما ..

ولا أرى إلا نظاماً قد محا نظاما

ولا أرى معتصماً …

ولا أرى هشاما ..

فهل نكون كذبة كبيرة

نحن العرب ؟؟

خريف 1990